ابن جزار القيرواني

175

كتاب في المعدة وأمراضها ومداواتها

الطعام نافخا يولّد منه ريح يسيرة ، ينحل بسرعة بالجشاء . وان لم يكن مزاج المعدة قوي الحرارة ، ولا قوي البرد حلّ الغذاء أو الخلط الذي يصادفه في المعدة فيجعله رياحا من قبل حرارته ، ولم يقو على تلطيفها وفشها . لأن حرارته ليست بالقوّية ، ولذلك تولّد رياحا غليظة نافخة . فربما استفرغت هذه الرياح من ناحية الفم بالجشاء . وربما استفرغت من ناحية العقدة . ومتى لم يستفرغ لا من فوق ولا من أسفل ، أجريت في البطن نفخا وتولّد هذا النفخ يكون ، اما من خلط نيّء ، أو سوداوي ، والفرق بينهما ان النفخ الحادثة من الخلط الني رطبة رخوة ، والحادثة من السوداء جافة قحلة . وهذه الريح السوداوية تحدث ضررا عظيما في النفس ، وفي البدن . أما من الحدث في النفس ، فالخوف والفزع الدائم ، وتوقع الموت . والتفكر بالأشياء بخلاف ما للفكر أن تجول فيها . وذلك لما يسمو إلى الدماغ من بخار المرة السوداء . إذ كان الدماغ سما لجميع البدن ( من ) قبل بخاراته . وخاصة فم المعدة لا شيء كالدماغ معه واتصاله به . كما بينّا في صدر الكتاب . وقد ذكر جالينوس في كتاب « العلل والأعراض » أنه إذا خل ( ) « 1 » والباطن من أجزاء النفس وغشاه شيء شبيه بالظلمة . ويجب من ذلك ضرورة أن يكون الانسان دائما يفرغ لأنه يكون حاملا معه في بدنه . وأما السبب المفزع ، وذلك ان الشيء الذي يعرض لنا في الوقت بعد الوقت ، من خارج عندما يعشى الهواء المحيط به الظلمة الدامسة . هو يعينه يعرض لأصحاب الوسواس السوداوي من داخل عندما يصير إلى الدماغ بخار من البخارات السوداوية . مثل ما يعرض في العلة التي يقال لها النافخة ، والمراقية . فأما ما يحدث هذه الريح السوداوية النافخة في البدن ، فالأضرار بأصول الهضم في المعدة وبواجبها . أعني : منع القوة الهاضمة التي في المعدة عن تكميل الهضم ، وافسادها جوهر الغذاء وتؤذيه كيفيته . فإذا دام افساد

--> ( 1 ) فراغ في أصل المخطوطة .